عثمان بن جني ( ابن جني )

106

الخصائص

حرف واحد ؛ كحرف العطف ، وفائه ، وهمزة الاستفهام ، ولام الابتداء والجرّ ، والأمر ، وكاف رأيتك ، وهاء رأيته . وجميع ذلك دون باب كم ، وعن ، وصه . فتمكّن الثلاثي إنما هو لقلة حروفه ، لعمري ، ولشيء آخر ، وهو حجز الحشو الذي هو عينه ، بين فائه ، ولامه ، وذلك لتباينهما ، ولتعادى " 1 " حاليهما ؛ ألا ترى أن المبتدأ لا يكون إلا متحركا ، وأن الموقوف عليه لا يكون إلا ساكنا ؛ فلما تنافرت حالاهما وسّطوا العين حاجزا بينهما ، لئلا يفجئوا الحسّ بضدّ ما كان آخذا فيه ، ومنصبّا إليه . فإن قلت : فإنّ ذلك الحرف الفاصل لما ذكرت بين الأوّل والآخر - وهو العين - لا يخلو أن يكون ساكنا ، أو متحرّكا . فإن كان ساكنا فقد فصلت عن حركة الفاء إلى سكونه ، وهذا هو الذي قدّمت ذكر الكراهة له ؛ وإن كان متحرّكا فقد فصلت عن حركته إلى سكون اللام الموقوف عليها ، وتلك حال ما قبله في انتقاض حال الأوّل بما يليه من بعده . فالجواب أنّ عين الثلاثي إذا كانت متحرّكة ، والفاء قبلها كذلك فتوالت الحركتان ، حدث هناك لتواليهما ضرب من الملال لهما ، فاستروح حينئذ إلى السكون ، فصار ما في الثنائي من سرعة الانتقاض ( معيفا مأبيّا ) ، في الثلاثي خفيفا مرضيا ، وأيضا فإن المتحرّك حشوا ليس كالمتحرّك أوّلا ؛ أولا ترى إلى صحة جواز تخفيف الهمزة حشوا ، وامتناع جواز تخفيفها أوّلا ، وإذا اختلفت أحوال الحروف حسن التأليف ، وأما إن كانت عين الثلاثي ساكنة فحديثها غير هذا . وذلك أن العين إذا كانت ساكنة فليس سكونها كسكون اللام . وسأوضح لك حقيقة ذلك ، لتعجب من لطف غموضه . وذلك أن الحرف الساكن ليست حاله إذا أدرجته " 2 " إلى ما بعده كحاله لو وقفت عليه . وذلك لأن من الحروف حروفا " 3 " إذا وقفت عليها لحقها صويت ما من بعدها ، فإذا أدرجتها إلى ما بعدها ضعف ذلك

--> ( 1 ) يقال : تعادى ما بينهم أي اختلف . ( 2 ) الإدراج : لفّ الشئ في الشئ . والدّرج لفّ الشئ . يقال : درجته وأدرجته ودرّجته ، والرباعي أفصحها ، ودرج الشئ في الشئ يدرجه درجا ، وأدرجه : طواه وأدخله . اللسان ( درج ) . ( 3 ) يريد حروف الهمس .